لقد هزّني، وآلمني، وكف عَبْرتي، وعقد لساني، نبأُ اغتيال شيخنا الجليل العابد الزاهد
الشيخ ضياءالرحمن المدني مدير جامعة أبي بكر الإسلامية كراتشي باكستان.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته
فقد رحل عنا الأخ العزيز، والمدير الحبيب، ولن نراه في الدنيا مرة ثانية، وهكذا هو حال الدنيا، فكلنا راحلون، وإلى ربنا لمنقلبون ولا نملك من القدر ومشيئة الله سوى الصبر على أقدار الله والرضا بقضائه، وأن نرفع الأكف إلى السماء وندعو لمن اختاره الباري ليتغمده برحمته وكرمه ويكون إلى جواره.
ولا نقول إلا ما يقوله الصابرون المهتدون: «الَّذِينَ إِذَا أَصَأبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ..»
فإنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منه، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
وإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى.
وإنا على فراقك لمحزونون، فما أعظم حزننا عليك، وما أكبر مصابنا بفقدك! فأحسن الله عزاء أسرتك الكريمة، وأحسن الله عزاءنا فيك.
وإنها لثُلمة كبرى، ومصيبة عظمى نزلت بالبلاد والعباد، باغتيال هذا الشيخ، ويا لها من مصيبة، كيف لها أن تُسد، وأنى لها أن تُعالَج؟
إن موت العلماء من أعظم ما تُمنى به الأمة من بلايا، ومن أشد ما ينزل بها من رزايا، وحسبكم في بيان عظم مقدار هذه النازلة، وتبين فداحة هذا الخطب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا».
ولذا كان وجود العلماء في الأمة بمثابة المصابيح التي يهتدي بها السالكون في الدياجي، ويستضيء بها المدلجون في الظلمات، فإذا انطفأ المصباح فما عسى أن يصنع السالك؟!
وإذا فُقد الضياء- فمن أين يأتي النور؟!
والحقيقة أنني لا أجد كلمة توفي فقيدنا الراحل حقه من التكريم الذي يجدر أن يليق به، ومن تعبير الحزن الدفين في القلوب الذي يظهر على ملامح الوجوه نتيجة رحيله المفاجئ هذا.
فعندما أنظر في عيون الأحباب، فإن الدموع تكاد تتحجر في عيونهم من الأسى عليه أثناء دفنه في المقبرة، ولكن لا راد لقضاء الله وقدره، ولا نقول إلا ما يحبه الله ويرضاه.
وماذا عساه أن أقول في سطور بسيطة محاولًا أن أرضى ضميري بهذه الكلمات اليسيرة التي لا تفي بحقه تجاه إنسان عرفته عن قرب على مدار أعوامٍ عديدة، فقد كان مديرا لجامعتنا الحبيبة جامعة أبي بكر الإسلامية كراتشي باكستان
لقد رحل عنّا الرجل الطيب، الرجل الصادق في التعامل، صاحب الروح الإنسانية الجميلة، وحبيب الجميع، وصاحب السلوك البسيط وصديق الجميع، الذي لا يمكن تقليدُه أو مضاهاته.
ومن يظن أنه من السهل الإتيان بمثله، فإن جرّب أحدهم أن يكون مثل أخلاقه امتنع عليه ولم يصل إليه.
مات من كان مبتسمًا صبورًا على أقدار الله، مات من كان حسن التعامل مع الآخرين، مات من كان كريم الخصال والسجايا، مات من كان متواضعًا لأقصى درجات التواضع، ونادرًا ما كان يطلب شيئًا لنفسه..
نعم الرجل التقي النقي الصالح الذي يحب الخير للناس ويحثهم عليه ونحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.
لقد عاش حياةً مضيئةً رائعةً، ومات ميتةً عظيمةً شامخةً، ومضى إلى ربه راضيًا مرضيًّا إن شاء الله.
درَّس، وعلَّم، ونصح، وأرشد، وحذَّر، وألَّف بين قلوب طال تنافرها، وجمع بين نفوس اشتد تنائيها وتباعدها.
فكم من مواعظ وخطب ألقى، وكم من محاضرات ودروس وندوات أقام ورعى، وكم من جولات الخير والإرشاد أشاد وأعلى!
جبر الله مصاب الأمة كلها في هذا الفقيد العظيم، والعزاء مبذول لجميع محبي الشيخ وعارفي فضله يرحمه الله، من المشائخ والدعاة والأئمة، وأهل الخير والصلاح، وطلاب العلم جميعًا.
ورحمك الله أيها الشيخ الراحل، فلقد هزَّنا المصاب، وهدَّنا الألم، وأبكانا الفراق، وأدمى قلوبنا هذا الرحيل.
فسلام عليك في الآخرين، وسلام عليك في الصالحين، وسلام عليك وعلى أسلافك الراحلين إلى جنات النعيم إن شاء الله رب العالمين.
اللهم اغفر لعبدك ضياء الرحمن المدني وارحمه رحمة واسعة واحشره مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.